السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

177

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

بواسطة الملك أو وسوسة الشيطان مثلا ، وقد تكون الرؤيا مما يحوك في صدر الرائي قبل النوم من أمور الدنيا والآخرة ، فتنطبع له بمثال خيالي في نومه . واعلم أن المسببات في المشهور عن الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها ، تدبر . وقال الفلسفيون الرؤيا انطباع الصور المنحدرة من أفق القوة المخيلة إلى الحس المشترك ، فالصادقة منها إنما تكون بالملكوت لما بينهما التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك ، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ، ثم إن كانت المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلا احتاجت إليه . واعلم أن الرؤيا كالرؤية من حيث الرسم ، والمعنى على القول الصحيح ، إلا أن منهم من خص الأولى بالنوم والثانية باليقظة وجعل الفرق بينها ، حرفي التأنيث كالقربى والقربة ، وذكرنا أول سورة الإسراء أن كلا منهما يطلق على الآخر فلا فرق بينهما ، وفيه تعليل نفيس فراجعه ، قال تعالى « وَكَذلِكَ » أي مثل ما اصطفى اللّه غيرك من الأنبياء « يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ » في الدنيا لإرشاد عباده وفي الآخرة لقربه في نعيم الجنان مما رفع منزلتك في هذه الرؤيا ، واجتباء اللّه تعالى للعبد اصطفاؤه له وتخصيصه بفيض إلهي يحصل له منه أنواع المعجزات أو الكرامات بلا سعي منه ، وهذا لا يكون إلا للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين العارفين « وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » التي يرونها الناس في منامهم بحيث يلقى ما تؤل به في قلبك ، فكان عليه السلام أعلم الناس في تأويل الرؤيا وإنما خصه اللّه تعالى بهذه الزيادة على عيره ممن تقدمه من الأنبياء ، كما خصّ كثيرا من أنبيائه بخصائص متباينة ، فالتي خصّها بهذا لم يعطها لغيره راجع الآية 14 من سورة النمل في ج 1 لأن خلاصه من السجن مقدر على تعبيره رؤيا الملك الآتية كما هو مقدر في سابق علمه « وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ » الدنيوية التي نبشرك بها في الرؤيا « عَلَيْكَ » بنعمته الأخروية فيكمل لك نعمة النبوة ونعمة الملك في الدنيا ونعمة النعيم وتجلي المنعم في الآخرة « وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ » من أهله ونسله يتمها أيضا عليهم « كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ » يعقوب « إِبْراهِيمَ » حيث خلصه